أقسام المدونة

الخميس، 20 سبتمبر 2012

المدرسة الدعوية في دار الأرقم



المدرسة الدعوية في دار الأرقم بن أبي الأرقم
11/10/2010
اختار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دار الأرقم بن أبي الأرقم ليجتمع  فيها بالمسلمين سرًا، حفاظا على دعوته وأصحابه، إذ كانت بعيدة عن أعين الطغاة وتفكيرهم، وكانت على جبل..
  
قراءة : 6921 | طباعة : 749 |  إرسال لصديق : 3 |  عدد المقيمين : 22

اختار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دار الأرقم بن أبي الأرقم ليجتمع  فيها بالمسلمين سرًا، حفاظا على دعوته وأصحابه، إذ كانت بعيدة عن أعين الطغاة وتفكيرهم، وكانت على جبل الصفا، وهي بمعزل عن المتربصين بالمسلمين في مكة، وكانت - فضلاً عن ذلك -للأرقم بن أبى الأرقم ، وهو من السابقين الأولين الذين استجابوا لله والرسول .
وكان الأرقم ـ رضي الله عنه ـ في السادسة عشر من عمره يوم أسلم، ويوم أن تفكر قريش في البحث عن مركز تجمع المسلمين، لن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار، بل يتجه نظرها إلى بيوت كبار الصحابة، وهذا من حكمة رسول الله ـ  صلى الله عليه وسلم ـ .
وفي هذه الدار المباركة، كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلتقي بأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم، ويعلمهم أمور دينهم، ويباحثهم في شأن الدعوة وما وصلت إليه، ويسمع شكواهم وما يلقونه من أذى المشركين وكيدهم، ويتحسس آلامهم وآمالهم، ويطلب منهم الصبر والثبات على دينهم، ويبشرهم أن العاقبة للمتقين .
وقد اتخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دار الأرقم مقرا سريا لدعوته، والحفاظ على أصحابه وتربيتهم وإعدادهم، بعد المواجهة التي حدثت بين سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه ـ  وقريش ..
قال ابن إسحاق : " .. كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينما سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - في نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شِعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام ".
ومن ثم أصبحت دار الأرقم بن أبي الأرقم ـ رضي الله عنه ـ مركزاً للدعوة السرية، يتجمع فيه المسلمون، ويتلقون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل جديد من الوحي، ويتربون على يديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
لقد مرت الدعوة النبوية بمرحلتين أساسيتين: مرحلة الدعوة السرية، وكانت ثلاث سنين بمكة المكرمة، ومرحلة الدعوة الجهرية وهي ما بعد ذلك . فكانت طبيعة المرحلة الأولى تتطلب سرية العمل الدعوي، ريثما تتهيأ الظروف المناسبة للجهر بها، وكانت دار الأرقم هي المكان المناسب لذلك، والسرية في بداية الدعوة، كانت لضرورة فرضها الواقع، وإلا فالأصل هو بيان دين الله وشرعه للناس جميعا .
واقتضت حكمة الله ـ سبحانه ـ أن تبقى دعوة الإسلام ضمن مجالها السري في دار الأرقم ، إلى أن هيأ الله لها من الأسباب ما مكنها من إشهار أمرها وإعلان رسالتها { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناسِ لا يعلمون } (يوسف: من الآية21)..
ومن خلال هذه المرحلة ـ كغيرها من مراحل سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظهرت حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كان يهتم بالتخطيط الدقيق، ويحسب لكل خطوة حسابها، فقد كان مدركاً أنه سيأتي اليوم الذي يؤمر فيه بالدعوة علناً وجهراً، وأن هذه المرحلة سيكون لها شدتها وصعوبتها على المسلمين، ومن ثم فحاجة الجماعة المؤمنة تقتضي أن يلتقي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المُرَبِي مع أصحابه، ليعلمهم ويربيهم ويشحذ هممهم، ويعدهم ليكونوا بناة الدولة المسلمة، وحملة الدعوة، واللبنة الأولى التي قام عليها هذا الصرح العظيم ..
ومن ثم استمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته السرية وتربيته لأصحابه في دارالأرقم ، حتى أصبحت هذه الدار أعظم مدرسة للتربية والإعداد عرفها التاريخ، إذ تخرج منها قادة حرروا البشرية من رق العبودية، وأخرجوهم من الظلمات إلى النور، بعد أن رباهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وقد حرص ـ عليه الصلاة والسلام ـ  حرصاً شديداً على أن يكون القرآن الكريم هو المنهج الذي يربى عليه أصحابه، وألا يختلط تعليمهم وتربيتهم بشيء من غير القرآن، وكانت قلوب الصحابة وأرواحهم تتفاعل مع القرآن وتنفعل به، فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره، وأهدافه وسلوكه، وتطلعاته وأمنياته، ومن ثم أدرك الصحابة وتعلموا ـ في دارالأرقم ـ أن القرآن وحده وتوجيهات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هما: المنهج للحياة والدعوة، والدستور للواقع والدولة، فكانوا من شدة تلهفهم إلى معرفة أوامر الله وأوامر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إذا سمعوا أحداً يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ابتدرته  أبصارهم، كما يقول ذلك عبد الله بن عباس - رضي الله عنه ـ ..
وعلى ذلك تربى الجيل الفريد من هذه الأمة، فكانوا يلتمسون من آيات القرآن الكريم، وسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يوجههم في كل شأن من شؤون حياتهم ..
لقد كانت مرحلة دار الأرقم ، مرحلة هامة في تربية وإعداد الصحابة، ومدرسة رَبَّى فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفذاذ الرجال، الذين حملوا راية التوحيد والجهاد والدعوة، فدانت لهم الجزيرة العربية، وقاموا بالفتوحات الإسلامية العظيمة في نصف قرن ..

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الإسلام في مرحلة الدعوة السرية



الإسلام في مرحلة الدعوة السرية
20/08/2003
في بيئةٍ سادت فيها الوثنيّة بين القبائل العربيّة زمانا طويلاً ، وتربّى فيها أهلها على العصبيّة المقيتة والحميّة الجاهلية ، وضاعت فيها معالم الديانات السماوية ، وانتكست..
  
قراءة : 5891 | طباعة : 393 |  إرسال لصديق : 1 |  عدد المقيمين : 14

في بيئةٍ سادت فيها الوثنيّة بين القبائل العربيّة زمانا طويلاً ، وتربّى فيها أهلها على العصبيّة المقيتة والحميّة الجاهلية ، وضاعت فيها معالم الديانات السماوية ، وانتكست فيها الفطر والمفاهيم حتى صار الباطل حقّاً ، والفضيلة رذيلة ، لم يكن أمام النبي - صلى الله عليه وسلم  - تجاه هذا الواقع سوى أن يؤجّل الإعلان بدعوته على الملأ ، ويكتفي بدعوة من حوله سرّاً ، حتى لا يكون الصدام المباشر في أوّل الأمر سبباً في فشل مهمّته التي بعثه الله بها .
وكان من الطبيعي أن يبدأ - صلى الله عليه وسلم  - بعرض الإسلام على أهله وأقرب الناس إليه ، وفي مقدّمتهم زوجته خديجة رضي الله عنها ، فكانت أوّل من آمن به على الإطلاق ، وأوّل من استمع إلى الوحي الإلهي من فم النبي - صلى الله عليه وسلم  - ، وأول من وقف على شهادة أهل الكتاب بصدق نبوّته من خلال عمّها ورقة بن نوفل .
ثم عرض - صلى الله عليه وسلم  - الإسلام على ابن عمّه علي بن أبي طالب ، فسارع إلى الإجابة على الرغم من صغر سنّه ، ثم أسلم مولاه زيد بن حارثة ، وأسلمت بناته زينب وأم كلثوم وفاطمة ورقيّة رضي الله عنهنّ ، وبذلك حاز بيت النبوّة على شرف الأسبقيّة في الإسلام .
وبعد ذلك انتقل النبي - صلى الله عليه وسلم  - إلى دائرة أصحابه ومعارفه ، فدعا أبا بكررضي الله عنه ، الذي لم يتردّد لحظةً في تصديقه والإيمان به ، وقد حفظ النبي - صلّى الله عليه وسلم - له هذا الفضل فقال : ( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ، وتردّد ونظر ، إلا أبابكر رواه ابن إسحاق .
وكان في إسلام أبي بكر رضي الله عنه فاتحة خيرٍ على الإسلام ودعوته ، فقد كانت قريشٌ تحبّه لسعة علمه وحسن ضيافته ، ومكانته كرجلٍ من كبار التجّار الذين لهم ثقلٌ في المجتمع المكّي ، ولذلك استجاب له الكثير من الناس ، ومنهم : عثمان بن عفّان ، و طلحة بن عبيد الله ، و الزبير بن العوّام ، و سعد بن أبي وقاص ، و عبدالرحمن بن عوف ، و عثمان بن مظعون ، و أبو سلمة بن عبد الأسد ، و أبو عبيدة بن الجراح ، و الأرقم بن أبي الأرقم ، وخبّاب بن الأرت ، و عمار بن ياسر وأمّه ، رضي الله عنهم أجمعين .
وسارع كل واحدٍ من هؤلاء إلى دعوة من يطمئنّ إليه ويثق به ، فأسلم على أيديهم جماعة من الصحابة ، حتى وصل عدد الذين أسلموا في تلك الفترة - وفقاً لمصادر السيرة - ما يزيد على الأربعين ما بين رجلٍ وامرأة ، وهؤلاء هم السابقون الأوّلون الذين ذكرهم الله عزّوجل في قوله : { والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار } ( التوبة : 100 ) .
وقد يبدو هناك شيء من التعارض في الروايات التي تحدّد أوائل من أسلم ، وهذا الاختلاف يرجع سببه إلى كتمان هؤلاء الصحابة خبر إسلامهم .
وبمراجعة أسماء أوائل من أسلم من الصحابة نلاحظ انتماءهم إلى قبائل من داخل قريشٍ وخارجها ، فقد كانوا من "بني أميّة وبني أسد وبني عبد الدار وبني جمح وبني زهرة ومذحج ودوس " وغيرها ، وفيه دلالةٌ واضحةٌ على معالم هذه الدعوة الجديدة ، وبعدها عن الدعوات العصبيّة الجاهليّة ، ولو كانت كذلك لكان بنو هاشم قوم النبي - صلى الله عليه وسلم  - أوفر الناس حظّاً ، وأكثرهم أتباعاً لهذه الدعوة الجديدة .
ومما يُشار إليه هنا أيضاً أن أغلب من أسلم في تلك الفترة كان من وجهاء قومه ومن أشرافهم، ولم يكن بينهم من الموالي سوى ثلاثة عشر رجلاً ، مما يدل على أن دعوة الإسلام لم تكن مجرّد ثورة على الأغنياء والوجهاء ، أو هروباً من حياة العبودية والفقر ، وإنما كانت رسالةً قائمة على إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وعقيدة صافيةً تصحّح علاقتهم مع خالقهم ، ومنهجاً ربّانيّاً ينظّم حياتهم .
واستمرّ النبي - صلى الله عليه وسلم  - في هذه الدعوة السرّية أكثر من ثلاث سنوات ، ظلّ فيها يعلّم حقائق التوحيد ، ويغرس معاني الإيمان ومحاسن الأخلاق ، وتمّ اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم لهذه المهمّة .
وفي هذه الفترة شُرعت الصلاة ركعتين في الصباح ، وركعتين في المساء ، وذلك في قوله تعالى : { وسبح بحمد ربك بالعشيّ والإبكار } ( غافر : 55 ) ، وكان الصحابة يستخفون بصلاتهم في الوديان والشعاب لئلا يفتضح أمرهم .
واستمرّ الناس في الانضمام تحت لواء الدين الجديد حتى تكوّنت الجماعة الإسلاميّة الأولى واشتدّ عودها ، وحان الانتقال إلى مرحلة المواجهة والجهر بالدعوة ، بما قد تحمله من أذى وتعذيب وتضحيات ، وكانت البداية عند نزول قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ( الشعراء  :  214)

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه



إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه
12/12/2010
 بادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى صديقه الحميم أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ليخبره بما أكرمه الله به من النبوة والرسالة، ويدعوه إلى الإيمان به، فآمن به دون تردد، وشهد شهادة..
  
قراءة : 5107 | طباعة : 608 |  إرسال لصديق : 1 |  عدد المقيمين : 12

 بادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى صديقه الحميم أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ليخبره بما أكرمه الله به من النبوة والرسالة، ويدعوه إلى الإيمان به، فآمن به دون تردد، وشهد شهادة الحق، فكان أول من آمن بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الرجال، إذ كان من أخص أصحابه قبل البعثة، عارفا به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبأخلاقه، وكان يعلم من صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمانته ما يمنعه من الكذب على الخلق، فكيف يكذب على الله؟!. ولذا بمجرد ما ذكر له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله أرسله رسولا، سارع إلى تصديقه والإيمان به، ولم يتردد..  
وقد روى ابن إسحاق عن بداية إسلام أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ فقال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة و تردد و نظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، و لا تردد فيه ) ما عكم: ما تباطأ بل سارع ..
يقول ابن إسحاق : " .. كان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا، ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام، من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه ".
لقد كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ كنزاً من الكنوز، ادخره الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخُلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الذين يألفون ويؤلفون، والخُلق السمح وحده عنصر كاف لألفة القوم، وهو الذي قال فيه  الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر )( الترمذي ) .
ولما كان رصيده ـ رضي الله عنه ـ العلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيماً، استجاب له في دعوته للإسلام صفوة من خيرة الخلق، من العشرة المبشرين بالجنة، منهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ..
وكان هؤلاء الأبطال الخمسة أول ثمرة من ثمار الصديق - رضي الله عنه -، دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا، وجاء بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فُرادَى، فأسلموا بين يديه، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العدة الأولى في تقوية جانب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم تتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجا .
إن تحرك أبي بكر - رضي الله عنه - في الدعوة إلى الله تعالى، يوضح صورة من صور الإيمان بهذا الدين والاستجابة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال، حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة، سرعان ما تخمد وتذبل وتزول، فقد ظل نشاط أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وحماسه إلى دينه ودعوته حتى توفاه الله، ولم يفتر أو يضعف .
ومن الملاحظ والمشاهد في عالم الواقع، أن أصحاب الجاه لهم أثر كبير في كسب أنصار للدعوة، ولهذا كان أثر أبي بكر - رضي الله عنه - في الإسلام أكثر من غيره .. فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما نفعني مال قط، ما نفعني مال أبي بكر . فبكى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله) ( ابن ماجة ) .
وبعد أن كانت صحبة الصديق ـ رضي الله عنه ـ لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبنية على مجرد الاستئناس والتوافق النفسي والخُلُقي، صارت الصحبة بالإيمان بالله، وبالمؤازرة في الشدائد، واتخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ صاحبا له طوال حياته .. وقد لقب ـ رضي الله عنه ـ في القرآن الكريم بالصاحب، قال تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبِه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } (التوبة الآية:40)، وقد أجمعت الأمة على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ .
ولقب كذلك ـ رضي الله عنه ـ بالصديق، لكثرة تصديقه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وفي هذا تروي أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ فتقول: ( لما أسري بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال إلى أبي بكر ، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟، يزعم أن أُسْرِي به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق . قالوا: أوَ تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!، قال نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق ) ( الحاكم ) .
وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صعد أُحُداً، و أبو بكر وعمر وعثمان ، فوجف بهم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( اثبت أحد، ما عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان ) ( أحمد ). والشهيدان: عمر وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ، والصديق: أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ..
لقد شرف الله أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ بصحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وملازمته والقرب منه حيا وميتا، فقد دفن ـ رضي الله عنه ـ بجوار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن ثم فلا يجتمع في قلب عبد حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبغض أبى بكر ، وتعظيم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحط من منزلة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ..
وبعد إسلام أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ مضت الدعوة إلى الله في مهدها الأول، سرية وفردية، وقائمة على الاصطفاء والاختيار للعناصر التي تصلح أن تتكون منها الجماعة المؤمنة، التي ستسعى لإقامة دولة الإسلام، ودعوة الناس إلى دين الله، والتي ستقوم حضارة ربانية لا مثيل لها على أيديهم، وكان أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من أعمدة هذه الدعوة ..

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

فتور الوحي ... الأسباب والمظاهر



فتور الوحي ... الأسباب والمظاهر
23/08/2003
كم كانت فرحة النبي - صلى الله عليه وسلم  - عندما بشّره جبريل عليه السلام بالوحي أوّل مرة ، فقد وجد أخيراً جواباً للكثير من الأسئلةٍ التي ظلّت تؤرّقه زماناً طويلا، وأبصر طريق الخلاص..
  
قراءة : 2386 | طباعة : 402 |  إرسال لصديق : 0 |  عدد المقيمين : 7

كم كانت فرحة النبي - صلى الله عليه وسلم  - عندما بشّره جبريل عليه السلام بالوحي أوّل مرة ، فقد وجد أخيراً جواباً للكثير من الأسئلةٍ التي ظلّت تؤرّقه زماناً طويلا، وأبصر طريق الخلاص من ضلال قومه وممارساتهم ، ولكن سرعان ما تحوّلت مشاعر الفرحة إلى حزنٍ شديد ، حينما توقّف الوحي وانقطع فترةً بعد ذلك.

وجاءت هذه الحادثة ، بعد ذهاب النبي - صلى الله عليه وسلم  - و خديجة رضي الله عنها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، ، وتفسير ورقة لحقيقة ما رآه في الغار ، وإنذاره بعداوة قومه له ، حيث تأخّر الوحي عن النزول عدّة أيّام كما تفيده الروايات الصحيحة .

ويظهر من سياق القصّة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم  - حزن حزناً شديداً ، وذلك بسبب أنه فسّر تأخّر الوحي بانقطاع النبوّة ، وزوال الاصطفاء من الله تعالى له ، فكان عليه الصلاة والسلام بحاجة إلى وحيٍ يعيد له طمأنينته ، ويزيل عنه الهواجس المتعلّقة بانقطاع الرسالة .

وقد حصل له - صلى الله عليه وسلم  -  ما يؤكد نبوته ، ويقطع الشك باليقين ، وذلك عندما جاءه جبريل عليه السلام مرة أخرى على صورة ملك جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فأخذته رجفةٌ شديد حتى سقط على الأرض ، ثم عاد إلى أهله مسرعاً ، ولما دخل على خديجة رضي الله عنها قال لها : ( دثّروني ، وصبّوا عليّ ماء باردا ) ، فنزلت الآيات الكريمة: { يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاهجر  } ( المدثّر : 1 – 5 ) ، وكان نزول هذه الآيات إعلاماً للنبي – صلى الله عليه وسلم – بنبوّته ، وتكليفاً له بتحمّل أعباء هذا الدين ، والقيام بواجب الدعوة والبلاغ .

وقد ذكر العلماء بعض الحِكَم من انقطاع الوحي تلك الفترة ، كذهاب الخوف والفزع الذي وجده - صلى الله عليه وسلم  - عندما نزل عليه الوحي أول مرة ، وحصول الشوق والترقب لنزول الوحي مرة أخرى ، بعد تيقّنه أنه رسول من الله ، وأن ما جاءه هو سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء ، وبذلك يصبح شوقه وترقبه لمجيء الوحي سبباً في ثباته واحتماله لظاهرة الوحي مستقبلاً .

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

بدء نزول الوحي دروس وعبر



بدء نزول الوحي دروس وعبر
21/10/2009
       العالم يقف على شفا حفرة من النار، والإنسانية تخطو بسرعة إلى الضلال والشقاء، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتم أربعين سنة من عمره.. هنا ظهرت بشريات..
  
قراءة : 2973 | طباعة : 417 |  إرسال لصديق : 1 |  عدد المقيمين : 13




 العالم يقف على شفا حفرة من النار، والإنسانية تخطو بسرعة إلى الضلال والشقاء، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتم أربعين سنة من عمره.. هنا ظهرت بشريات الصبح وطلائع السعادة، وآن أوان البعثة، فتم أعظم لقاء في حياة البشرية،  لقاء جبريل عليه السلام مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فلقد أشرق نور الإسلام، ونزل جبريل عليه السلام بأمر الواحد الأحد،  يحمل أعظم رسالة، إلى أفضل رسول ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ ليغير الحياة، ويأخذ بيد الإنسانية التائهة، وينشر الإيمان والعدل، والتوحيد والنور .
ولنستمع إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي تحدثنا عن بداية نزول وإشراق الوحي فتقول:  (أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي هو الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِب إليه الخلوة، وكان يخلو في غار حراء، يتحنث (يتعبد) فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجةفيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثالثة ثم أرسلني فقال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (العلق3:1)، فرجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرجف فؤاده، فدخل على زوجتهخديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ، فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة : لقد خشيت على نفسي،  فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَََل، وتكَسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عمها، وكان امرًأً تنصر بالجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله له أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت لهخديجة : يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى؟ فأخبره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما رأى،  فقال له ورقة : هذا الناموس( جبريل عليه السلام) الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (شابا)، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال: أَوَ مُخرجي هم؟، قال نعم، لم يأت رجل قَط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي ) ( البخاري ) .
لا شك أن هذا الحدث يحمل في طياته العديد من الدلالات والمعاني التي ينبغي أن نقف معها للتأمل والاعتبار، وهي كثيرة منها:
معجزة الوحي، فحقيقة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية، حيث أُوحي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن الذي هو كلام الله، وقد ترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته وأخلاقه، ولذلك اهتم المستشرقون والمشركون من قبلهم بالطعن والتشكيك في حقيقة الوحي، وحاولوا أن يحرفوا ظاهرة الوحي عن حقيقتها وعما جاءنا في صحاح السنة الشريفة، وحدثنا به المؤرخون الثقات، فقائل يقول : حديث نفس، وآخر يقول: إشراق روحي وإلهام .
والحقيقة تقول إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهو في غار حراء فوجئ بجبريل أمامه يراه بعينيه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مرده إلى حديث النفس، وإنما هو استقبال وتلقِ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس والإلهام، ثم إن ضم جبريل إياه وإرساله ثلاث مرات قائلاً في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيداً لهذا التلقي الخارجي، ومبالغة في نفي ما قد يُتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالاً أو حديث نفس، مما يدعيه محترفو التشكيك في الإسلام والتلبيس على المسلمين، من أعداء الإسلام ومن سار وراءهم . .  ولقد أصيب النبي - صلى الله عليه وسلم -  بالخوف مما سمع ورأى، وأسرع إلى بيته يرجف فؤاده ، وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن متشوقاً للرسالة التي سيُكَلف بثقلها وتبليغها للناس، وقد قال الله تعالى تأكيداً لهذا المعنى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } (الشورى:52) .
ومن دلالات بداية نزول الوحي ومعانيه التي ظهرت بصورة واضحة قيمة العلم ومنزلته في الإسلام، فأول كلمة هي الأمر بالقراءة { اقرأ باسم ربك }، وفي ذلك إشادة بالعلم وفضله ، والقلم وخطره، فللعلم منزلته في بناء الأفراد والشعوب والأمم، ومازال الإسلام يحث على العلم ويأمر به ، ويرفع درجة أهله ، ويميزهم على غيرهم ، قال تعالى :{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير }(المجادلة: من الآية11)، وقال سبحانه :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ }(الزمر: من الآية9).. والعلم النافع من الله، الذي علم بالقلم، وعلم الإنسان ما لم يعلم ، ومتى حادت البشرية وابتعدت عن منهج الله ، رجع علمها وبالا عليها، وكان سببا في إبادتها ..
كما ظهر أيضا مع نزول الوحي فضل الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو تُرى له، فقد كانت الرؤيا الصالحة بداية إشراق شمس النبوة ، ففي حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ، أن أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي الرؤيا الصالحة ، وتسمي أحيانا الرؤيا الصادقة، والمراد بها الرؤيا الطيبة التي ينشرح لها الصدر وتزكو بها الروح، والرؤيا الصالحة للمؤمن من البشرى في الحياة الدنيا، فقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ( أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرَى له)( ابن ماجه )..
ومن خلال مرحلة بداية نزول الوحي علمنا بركة الخلوة من أجل العبادة، واعتزال أصحاب السوء والمعاصي، يدل على ذلك قول الله تعالى عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً } (مريم:48)، وقبيل النبوة حُبِب إلى نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخلوة ، فاتخذ غار حراء مكانا للعبادة، لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، وفي ذلك إشارة إلى حاجة المسلم إلى بعض الوقت من الخلوة، يتفكر في مظاهر الكون وآياته، ودلائل عظمة الله، ومحكم تدبيره، وعظيم إبداعه، ولذلك كان من سنن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة الاعتكاف في المسجد، لتنقية القلب من الشوائب والآفات، ومحاسبة النفس.. والداعية إلى الله بوجه خاص بحاجة ماسة إلى زاد يعينه على مواصلة سيره ودعوته، ومواجهة العوائق والعقبات..
فالتكذيب والإخراج والإيذاء سنة من سنن الأمم مع من يدعوهم إلى الله عز وجل، وقد ظهر هذا المعنى بصورة جلية من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أوَ مخرجي هم ؟ )، وقول ورقة بن نوفل : لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي. ولقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في آيات كثيرة، كما قال تعالى عن قوم لوط: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } (النمل:56)، وعن قوم شعيب :{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} (الأعراف:88)، وقال تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } (إبراهيم:13) ..
  
كما أن هذا الحدث  أشار إلى أهمية وفضل الزوجة الصالحة ( خديجة رضي الله عنها): فالزوجة لها دور عظيم في نجاح زوجها في مهمته في هذه الحياة، وأمنا خديجة ـ رضي الله عنها ـ كانت مثالا للزوجة الصالحة التي تعين زوجها، وتقف إلى جانبه، وتفرج همه بكلمة طيبة وموقف حسن، وقد اتضح ذلك في وقوفها ـ رضي الله عنها ـ  بجانب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يواجه الوحي أول مرة، وما قامت به مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياتها كلها، ومن ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :( الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة ) ( مسلم ) . وورد في فضل خديجة ـ رضي الله عنها ـ، أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( هذه خديجة أقرئها السلام من ربها، وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب (لؤلؤ أو ذهب)، لا صخب فيه ولا نَصَب )  (متفق عليه). .
 لقد كانت لحظة بدء نزول الوحي حدثا ضخما بحقيقته وآثاره في حياة البشرية، وهذه اللحظة تُعد ـ بغير مبالغة ـ أعظم لحظة مرت على الأرض في تاريخها الطويل،  فقد تكرم الله عز وجل على البشرية باختيار محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ  ليكون نوره ورسوله إليها..        

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

بداية البعثة النبوية



بداية البعثة النبوية
26/08/2003
قبل بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كانت البشرية تعيش في ضلالات الجهل والشرك والإلحاد ، وكانت العرب جزءاً من تلك البشرية الغارقة في الانحطاط ، والتي تحتاج إلى من ينقذها..
  
قراءة : 6180 | طباعة : 445 |  إرسال لصديق : 1 |  عدد المقيمين : 19

قبل بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كانت البشرية تعيش في ضلالات الجهل والشرك والإلحاد ، وكانت العرب جزءاً من تلك البشرية الغارقة في الانحطاط ، والتي تحتاج إلى من ينقذها وينتشلها مما هي فيه .
كان الجهل فاشياً، والظلم جاثماً، والفوضى ضاربة بأطنابها في كل مكان، حقوق مسلوبة، وأعراض منتهكة، وحياة بغير نظام ولا قانون، ولا تشريع ولا تنظيم، سوى بعض العادات ، والأعراف القبلية .
كان الأمن مفقوداً ، والسلب والنهب أمراً معهوداً ، حياة لا أمان فيها ، ولا استقرار ، فالمقيم مهدد بالضرر، والمسافر في وجل وخطر .
كان القتل ، والنهب ، واعتداء القوي على الضعيف ، وكانت الحروب تنشأ لأتفه الأسباب ، فتزهق النفوس، وترمل النساء ، وييتم الأطفال .

في ظل هذه الظروف وتلك الأوضاع ، وبعد فترة من انقطاع الرسل بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، على رأس الأربعين من عمره ؛ حيث جاءه جبريل وهو في غار حراء بأول ما نزل من القرآن ، فقرأ عليه قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } (العلق :1) ، ثم توالى نزول القرآن - الكتاب الخاتم - وبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوته على مراتب خمس كما ذكر ذلك ابن القيم-رحمه الله- في كتابه "زاد المعاد" : المرتبة الأولى : النبوة ، والثانية : إنذار عشيرته الأقربين ، والثالثة : إنذار قومه ، والرابعة : إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله ، وهم العرب قاطبة ، والخامسة : إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر .

فقام بمكة ثلاث سنوات يدعو إلى الله سراً ، ثم جهر بالدعوة بعد نزول قول الله تعالى : { فاصدع بما تؤمرُ وأعرض عن المشركين } (الحِجِر :94).

لقد كانت بعثته -صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ، كما أخبر بذلك أصدق القائلين :{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء :107) ، وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ( إنما أنا رحمة مهداة ) رواه الحاكم في "المستدرك" ، و البيهقي في شعب الإيمان ، وصححه الألباني .
فمن آمن به وصدقه ، فاز فوزاً عظيماً ، قال تعالى : {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً }(الأحزاب :71) .
ومن أعرض عن هدايته فقد ضل ضلالاً بعيداً ، وخسر في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : {ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه :124).

كانت دعوته إلى الإيمان بالله وحده وعدم الشرك به ، وإلى الفضيلة والرشد ، وإلى الأمانة والصدق ، دعوة إلى الخير بكل أنواعه ، وتحذيراً من الشر بكل أصنافه .

إنَّ بعثته - صلى الله عليه وسلم- كانت ميلاداً جديداً للبشرية ، وتاريخاً عظيماً للإنسانية ، قال تعالى :{ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف :158).
فببعثته كَمُلَ للبشرية دينها ، وتم للإنسانية نعيمها ، قال تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (المائدة :3) .
فكان الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده جميعاً ، ولن يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه ، قال تعالى:{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران : 85).

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ذم الانتقام



ذم الانتقام
19/07/2012
إن طِيب النفسِ، وحُسن الظنِّ بالآخرين، وقَبول الاعتذار، وإقالَة العَثرة، وكظم الغيظ، والعدل في النَّصَف أو العقوبة، كلها معاييرُ نقاءٍ وصفاءٍ، وعلاماتٌ للنفسِ الراقيةِ المُتشبِّثةِ..
   
قراءة : 1567 | طباعة : 101 |  إرسال لصديق : 2 |  عدد المقيمين : 5

إن طِيب النفسِ، وحُسن الظنِّ بالآخرين، وقَبول الاعتذار، وإقالَة العَثرة، وكظم الغيظ، والعدل في النَّصَف أو العقوبة، كلها معاييرُ نقاءٍ وصفاءٍ، وعلاماتٌ للنفسِ الراقيةِ المُتشبِّثةِ بهديِ الإسلام الراقِي في التعامُل مع النفس ومع الآخرين.
ومتى ما خرجَ الانتصارُ للنفسِ ممن أخطأَ في حقِّها أو ظلمَها عن تلك الصور والمعايير؛ فإنه الولوجُ في دائرة حبِّ الانتقامِ، ولا شكَّ.

وإذا اصطبَغَت النفسُ بحبِّ الانتقام ووقعَت في شباكه؛ فإن الغِلظةَ والجَبَروت والبطشَ والإسرافَ والحَيف هي العلاماتُ البارِزةُ التي تحكُمُ شخصيةَ المرءِ الذي سيُشارُ إليه بالبَنَان على أنه رمزُ الظلمِ والنَّذَالة والوحشيَّة؛ لأن المعروفَ عن الانتقام أنه إنزالُ العقوبةِ مصحوبةً بكراهيةٍ تصِلُ إلى حدِّ السَّخَط والحقد والإسرافِ في العقوبة، الذي يُفرِزُه جنونُ العظمة وحبُّ القهر، كما قال فرعون: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} [غافر: 29]، وكما جاء عن قوم عاد: {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15].

الانتقامُ يُذكَرُ غالبًا في معرِضِ الذمِّ؛ لكونه مقرونًا بالقسوةِ والغِلظةِ وموت الضمير، وعامةُ الناسِ لا يعرِفون منه إلا هذا المعنى.

وعندما حضَّنا الإسلامُ على العفوِ والتسامُحِ وكظمِ الغيظِ لم يُرِد لنا أن نكون ضُعفاء ولا جُبَناء، ولا أن يغرِسَ في نفوسِنا الذِّلَّةَ والهَوَان، كلا؛ فإنما أرشدَنا إلى ذلكم ليُبيِّن لنا أن اللِّينَ والسماحَة هُما أفضلُ وسيلةٍ لاستلالِ الكُرْهِ من قلبِ من أساءَ إلينا.

ولذا فإن الانتقامَ مع ما فيه من القسوة والجبَروت فإنما هو علامةُ ضعفٍ لا قوةٍ، والضعفُ هنا يكمُنُ في أن الغِلظةَ والتشفِّي لهُما السيطرةُ في قلبِ المُنتقِم على التسامُح والاعتِدال، فمن هُنا صارَ المُنتقِمُ ضعيفًا؛ لأن سجِيَّة الشرِّ والحُمق والهوى هي الغالبةُ أمام نَزوَته ورغبته، وهذا سببُ الضعفِ لدى المُنتقِم؛ لأن التشفِّي طرفٌ من العَجزِ ليس بينه وبين الظالمِ إلا سترٌ رقيقٌ وحجابٌ ضعيفٌ.

ولقد كان من أميَز سِمات النبي صلى الله عليه وسلم أنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ، وأن رِسالتَه إنما هي رحمةٌ للعالمين، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وهذه الرحمةُ والشَّفَقةُ واللِّينُ التي أزهَرَت في فُؤاد النبي صلى الله عليه وسلم هي ما جعلَتْه يتلقَّى الثناءَ من العليِّ الأعلى من فوق سبعِ سمواتٍ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

ومن هنا نُدرِكُ أن المُنتقِمَ ـ غالبا ـ كالأعمَى، لا يُدرِكُ ولا يُحِسُّ إلا بنفسه، وإذا كان كذلك فإنه ليس أهلاً للعدل ولا للإنصافِ؛ لأن همَّتَه في تحقيق هدفه وشفاءِ غيظه، ليس إلا، فهو عدوُّ عقله؛ لأنه يشينُ حُسنَ الظَّفَر فيقبُحُ بالانتِقام دون أن يتزيَّن بالعفو أو القصد.

المُنتقِمُ ـ غالبا ـ بليدُ الإحساسِ، قد تجرَّدَ من العاطفة، إذا استُغضِبَ زَأرَ، وإذا زأَرَ افترَسَ، وإذا افترسَ أوجعَ، وإذا كان القتلُ يُعدُّ من أنكَى جِراحات الحياة، فإن الله جل وعلا قال فيه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].

غيرَ أن المُنتقِمَ من الناس لا يقِفُ عند هذا الحدِّ، ولن يُدرِكَ عقلُه ولُبُّه قولَ الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]. فهذه الآيةُ دلَّت على الانتِصار من الظالمِ، لكنها في الوقتِ نفسِهِ بيَّنَت أن العفوَ أخيَرُ وأفضلُ، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]. ومن أراد أن يلِجَ التقوى من أسهل أبوابها فليعمل بقول الله جل وعلا: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237].

لقد ضربَ الانتقامُ والتشفِّي بأطنابِه في قلوب بعضِ الناسِ، وقد ظهرَ ذلك جلِيًّا في تعامُل أب مع ابنِه أو أخيه، أو الزوجِ مع زوجته، فلربما ضربَها، أو حبسَها، أو علَّقَها فلا هي زوجة ولا هي مُطلَّقة، وأذاقَها صُنوف الهوان والذلِّ والإيلام، كلُّ ذلك انتِقامًا وبَطشًا وانتِصارًا لرُجولةٍ زائفةٍ وقلبٍ مُلتاثٍ، وقولوا مثلَ ذلكم في تعامُل جارٍ مع جارِهِ، أو مُديرٍ مع موظَّفٍ، أو أُسرةٍ مع خادمها، أو ما شابَهَ ذلكم من أمثلةِ تبلُّدِ الإحساسِ والدُّونيةِ في التعامُلِ مع الآخرين بعيدًا عن مبادِئِ الدِّين الحنيفِ والأخلاقِ الحميدة.

وليتَ أمثالَ هؤلاء يُدرِكون جيِّدًا أن أفضلَ وسيلةٍ للانتِقام ممن أساؤوا إليهم هي أن لا يكونوا مثلَهم في الإساءة؛ ليزدادوا حقارةً لأنفسهم، وامتِهانًا لسَجَايَاهم؛ فقد جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصِلُهم ويقطعُوني، وأُحسِنُ إليه ويُسيؤُون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ. فقال: "لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزالُ معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك". (رواه مُسلم). والمعنى: فكأنما تُلقِمُهم الرَّمادَ الحارَّ في أفواههم.
وقد قال جعفرُ الصادقُ رحمه الله تعالى: "لأَن أندمَ على العفوِ عشرين مرةً أحبُّ إليَّ من أن أندمَ على العقوبةِ مرةً واحدةً".

وقد جرَت سنةُ الله أن من انتقَمَ ممن هو دونه انتقَمَ منه من هو فوقَه، وسُنَّةُ الله لا تُحابِي أحدًا.
ولأجل هذا -عباد الله- فإن لذَّة العفو أطيبُ من لذَّة التشفِّي، وذلك أن لذَّة التشفِّي يلحقُها ذمُّ الندَم، ولذَّةَ العفو يلحقُها حمدُ العاقبة، وقد قال الله جل وعلا: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]، وهذا دليلٌ على أن الانتِقام يقبُحُ على الكِرامِ. وقال أبو إسحاق: (ولم يقل هم يقتلون، وفي هذا دليل على أنَّ الانتِقَام قبيح فِعْله على الكِرَام؛ فإنَّهم قالوا: الكريم إذا قَدِر غَفَر، وإذا عثر بمساءة ستر، واللَّئيم إذا ظفر عقر، وإذا أَمِن غَدَر).

ومَن طَبعُهُ الانتقامُ فهو كالغَيمِ الذي لا يُرجَى صحوُه، يغضبُ من الجُرمِ الخفِيِّ ولا يُرضيهِ العُذرُ الجَلِيُّ، حتى إنه ليُبصِرُ الذنبَ ولو كان كسَمِّ الخِيَاطِ، ويعمَى عن الحسناتِ ولو كانت كجِبال تِهامة، له أُذُنان يسمعُ بإحداهما البُهتان ويصُمُّ بالأخرى عن الاعتِذار، وله يَدَان يبسُطُ إحداهما للانتِقام ويقبِضُ الأُخرى عن الحِلمِ والصفحِ، مثَلُه كمثَلِ من قال اللهُ عنه: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 205، 206].

فهل يعِي هذا أولئك الجبَّارون المُنتقِمون المُسرِفون الذين يسومون أقوامَهم سُوءَ العذاب، فيُذبِّحون أبناءَهم، ويُرمِّلون نساءَهم، ويُيتِّمون أطفالَهم؟! أولئك الذين باعُوا الضميرَ، ونحَروا الرحمةَ، وأخذَتهم العِزَّةُ بالإثمِ، فعلَوا في الأرضِ، وجعلوا أهلَها شِيَعًا، وقالوا مقولةَ فرعون الأول: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127].

غيرَ أن المؤمنين الصابرين يُردِّدون قولَ الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} (الزمر: 36، 37].

والانتقامُ في شريعتنا الغرَّاء مذمومٌ في الجُملة، غيرَ أن ثمَّةَ انتقامًا محمودًا شرعَه الله لنا لإيجاد مبدأ التوازن بين المصالحِ والمفاسِدِ، وعدمِ الإخلالِ بها عن منازلها التي أُنيطَت بها لتحقيقِ مصالحِ العباد ودرء مفاسِدهم، وهذا الانتقامُ المحمودُ إنما يكون ممن انتهَكَ محارِمَ الله، وذلك بالحُدود والتعزيرات والعقوبات المشروعة؛ فقد قال سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما ضربَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا بيده قطُّ، ولا امرأةً، ولا خادِمًا، إلا أن يُجاهِدَ في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيءٌ قطُّ فينتقِمُ من صاحبه إلا أن يُنتهَكَ شيءٌ من محارمِ الله، فينتقِمُ لله عز وجل. رواه مسلم.

فالانتقامُ لغير محارمِ الله معرَّةٌ، كما أن الحِلمَ والبُرودَ أمام محارِمِ الله خيانةٌ عُظمى
عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قلت: يا نبيَّ الله، الرَّجل مِن قومي يشتمني وهو دوني، أفأنتقم منه؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "المستبَّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان".(رواه أحمد وغيره وصححه الألباني).
فلم يأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عياضا بالانتِقَام، بل عرَّفه أنَّهما إن شتما بعضهما فهما شيطانان يكذبان ويتكلَّمان بالباطل.
الوسائل المعينة على ترك الانتِقَام
مِن الوسائل المعينة على ترك الانتِقَام:

1- تذكُّر انتقام الله مِن أهل معاصيه:
قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].قال ابن زيد في قول الله: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: 5] قال: (أيَّامه التي انتقم فيها مِن أهل معاصيه مِن الأمم، خوَّفهم بها، وحذَّرهم إيَّاها، وذكَّرهم أن يصيبهم ما أصاب الذين مِن قبلهم).

2- كَظْم الغَيْظ:
قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133].

قال الشيخ السعدي رحمه الله: (قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: إذا حصل لهم مِن غيرهم أذيَّةٌ توجب غيظهم، وهو امتلاء قلوبهم مِن الحَنْق الموجب للانتقام بالقول والفعل، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطِّباع البشريَّة، بل يكظمون ما في القلوب مِن الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المُسيء إليهم).

3- الخوف مِن ضياع الزَّمان والعمر، وتفرُّق القلب وفَوْت المصالح:
بأن يعلم أنَّه إذا اشتغلت نفسه بالانتِقَام وطلب المُقَابَلة، ضاع عليه زمانه، وتفرَّق عليه قلبه، وفاته مِن مصالحه ما لا يمكن استدراكه.

4- التَّفكير في عواقب الانتِقَام
ومنها: زيادة شرِّ الخصومة: فإذا انتقم لنفسه، تسبَّب إلى زيادة شرِّ خصمه، ومنها ما يصيبه بعد الانتقام من الندم، قال ابن القيم رحمه الله: (فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلَّا أعقبه ذلك ندامة).
وأخيرا فإن لذة العفو وأجره أعظم من لذة الانتقام{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad